منوعات

“أسرار الجمال” مع ألكساندريا أوكاسيو كورتيز: أحمر الشفاه كأداة سياسية

مصدر الصورة
VOGUE/YOUTUBE.COM

تمرّر أصغر نائبة في الكونغرس الأميركي الفرشاة على خدودها، وهي تحدثنا، في تسجيل مصوّر، عن تأثير قلة النوم على بشرتها، وعن أسبوعها الحافل في دهاليز واشنطن. تحكي عن الشعور الجميل الذي تمنحها إياه ظلال الجفون البراقة، ثمّ عن الضرائب المفروضة على المستحضرات الصحيّة النسائية أو ما يُعرف بالـ”ضريبة الورديّة”، وعن المساواة في الأجور بين الجنسين.

مثل هذا الحديث عن “أسرار الجمال” غير معتاد من قبل امرأة تعمل في السياسة، لكن عضوة الكونغرس، ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، التي أصبحت رمزاً لملايين الشابات في أنحاء العالم، تحدثت عن ذلك في فيديو أنجزته لصالح مجلّة “فوغ”، ضمن سلسلة خاصة بمستحضرات التجميل.

فالنائبة الأميركية تعتقد أن عناية المرأة بنفسها “عمل راديكالي، لا بل هو أشبه بتظاهرة صغيرة” وذلك لأن “ثقافتنا مبنية على الانتقاص من النساء، وعلى التربّص بتقديرهنّ لذواتهنّ”.

لكن ما دخل السياسة بأحمر الشفاه؟

مصدر الصورة
VOGUE/YOUTUBE.COM

“قراري وليس قراركم”

في حياة أوكاسيو كورتيز، تماماً كما في حياة النساء حول العالم، يتقاطع هذان العالمان ويرتبطان بحدّة.

تقول في الفيديو: “في مجتمع يحاول أن يذكركِ دوماً أنّك لستِ بالوزن المناسب، أو أنكِ لا تتمتعين بلون البشرة المناسب، وأنكِ خطأ بطريقة ما… وبمجرّد أن تواجهي ذلك وتقولي: “أتعلمون ماذا؟ هذا قراري أنا، وليس قراركم”، فإنّ ذلك وحده فعل قويّ للغاية”.

بالنسبة إليها، فإنّ مستحضرات التجميل طريقة لإثبات الذات، وتكريس لحقّ النساء بامتلاك خياراتهنّ وأجسادهنّ، حتى في أبسط التفاصيل وأتفهها.

وذلك جزء مهمّ من صورتها العامة؛ فمنذ بداية مسيرتها السياسية كمرشّحة عام 2018، أُحيطت أصغر خياراتها الشخصية بالتشكيك والتسييس: من لون حمرتها، إلى شكل أقراطها، وصولاً إلى ثمن ملابسها.

من هن عضوات الكونغرس الأربع اللائي طلب منهن ترامب “العودة لبلادهن”؟

مصدر الصورة
VOGUE/YOUTUBE.COM

“هذا الأحمر لي”

كان شعار “الشخصي سياسي”، من أبرز الشعارات التي رفعتها الموجة النسوية الثانية في الولايات المتحدة خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. وهو شعار ما زالت ترفعه نسويات حول العالم، للتأكيد على الارتباط بين خياراتهنّ الشخصية (بدءا من لون ظلال الجفون وحتى قرار الإنجاب)، وبين الأنظمة السياسية والاجتماعية المنحازة ضدّهن في الغالب.

وفي هذا السياق، تبدو شخصية أوكاسيو كورتيز بحدّ ذاتها، وقبل أن تقوم بأي فعل مشاغب في السياسة، نموذجاً مشاكساً، يستفزّ الجمهوريين المحافظين الذين لم يبخلوا عليها بحملات التشهير على تويتر.

تعطي ألكساندريا، المنتمية للحزب الديمقراطي، درساً في تحويل استخدام الأدوات المبرمجة لتشييء النساء، لتصبح أسلحة لصالحهنّ.

فعلى سبيل المثال، في بعض الثقافات، ومنها الأمريكية، يعدّ أحمر الشفاه الفاقع مدخلاً لتعيير النساء، من خلال ربطه بعاملات الجنس. لذا تتحدّى أوكاسيو كورتيز هذه الفكرة، وتعطي اللون الأحمر معنىً آخر، فبدلا من أن يكون معياراً لخضوع النساء، تجعله مقياساً لقوتهنّ؛ فتقول: “من الأسباب التي جعلتني أستخدم أحمر شفاه في الانتخابات التمهيدية للمرة الأولى، إدراكي أن أفضل طريقة لأبدو متماسكة هي استخدام لون حمرة قوي”.

مصدر الصورة
VOGUE/YOUTUBE.COM

نجمة السياسة الصاعدة

تستضيف “فوغ” في سلسلة “أسرار الجمال” مشاهير مثل كايلي جينر وريهانا. تشبه حلقات السلسلة الفيديوهات التعليمية التي تطلقها المؤثرات في عالم التجميل عبر قنواتهنّ على موقع يوتيوب.

تقدّر ثروة كايلي جينر بحوالي 900 مليون دولار جمعتها من مبيع مستحضرات التجميل، فيما تضاعفت ثروة ريهانا لتبلغ 600 مليون دولار بعد إطلاقها علامة “فينتي” لمستحضرات التجميل عام 2017.

وفي مرحلة الانهيار الاقتصادي في الولايات المتحدة قبل أعوام، اعتمد ما يسمّى “مؤشر أحمر الشفاه”، حين لاحظ صناع مستحضرات التجميل زيادة في شراء قلم الحمرة رغم الأزمة المالية، كوسيلة اختارتها النساء للتعويض عن عدم قدرتهنّ على شراء كماليات أغلى ثمناً.

تأتي ألكساندريا أوكاسيو كورتيز من عالم مختلف تماماً عن مشاهير تلفزيون الواقع، ونجمات موسيقى البوب؛ فهي أصغر امرأة وأول أمريكية من أصول لاتينية تشغل المقعد التمثيلي عن مدينة نيويورك في تاريخ الكونغرس الأمريكي.

تخرجت من جامعة بوسطن حاملة شهادة في الاقتصاد والعلاقات الدولية، وقبل أن تفوز بالانتخابات في سنّ الثامنة والعشرين، كانت تعمل نادلة في مطعم.

إلا أنّ الإعلام الأمريكي يتعاطى معها كنجمة السياسة الصاعدة؛ فوصولها إلى الكونغرس كان أشبه بقصّة نجاح أمريكية، لا تحدث إلا في الأفلام، لكنّها لم تكن ورديّة بالكامل، إذ استخدم خصومها صغر سنها، وخلفيتها الاجتماعية المتواضعة، ونشأتها في كنف عائلة مهاجرة من بورتوريكو، للحطّ من قدرها.

مصدر الصورة
Tom Williams

“العاهرات ينجزن العمل”

انشغلت وسائل التواصل في الولايات المتحدة بمعارك ألكسندريا الصغيرة والكبيرة، بدءاً من تسريب فيديو راقص لها خلال دراستها الجامعية بعد فوزها بانتخابات الكونغرس، مروراً بتغريدات السخرية من عملها السابق كنادلة، وصولاً لحدّ توجيه الشتائم إليها من قبل زميلها في الكونغرس عن الحزب الجمهوري، تيد يوهو، قبل أسابيع.

وكان يوهو قد هاجمها عند دخولهما إلى مقرّ الكابيتول في يوليو/ تموز الماضي، ووصفها “بالمقرفة” و”العاهرة”، احتجاجاً على موقفها من بعض التشريعات، وقد وثّقت الصحافة كلامه. يومها غرّدت أوكاسيو كورتيز عبر حسابها على تويتر: “العاهرات ينجزن العمل على الأقل”.

من خلال هذه المواقف العلنية، باتت أوكاسيو كورتيز خلال فترة قصيرة، النموذج المضاد للسياسي الذكر الأبيض التقليدي في الولايات المتحدة، علماً أنّها في الأساس، خطفت مقعد الكونغرس من ممثّل مدينة نيويورك السابق، جو كراولي، الذي بقي في منصبه عشرين عاماً.

فهي تمثّل جيلاً من الشباب الأمريكي المنخرط في السياسة، الناشط ضد العنصرية وحيازة الأسلحة والتمييز على أساس الجندر. كما تمثّل عائلات المهاجرين وأبناء الطبقات العاملة الذين لا يحظون بفرص متساوية للتقدّم، خصوصاً إن كنّ نساءً.

مصدر الصورة
VOGUE/YOUTUBE.COM

“الأنوثة قوّة”

تحوّلت أوكاسيو كورتيز خلال العامين الماضيين إلى رمز حول العالم، لملايين الشابات من جيلها. في فيديو “أسرار الجمال”، تخاطب تلك الشابات، وتسأل معهنّ أسئلة يطرحنها كلّ يوم: كيف تعتنين بمظهرك، من دون أن يستخدم ذلك للتقليل من ذكائك؟ وكيف توازنين بين ما يعطيك الفرح والقوّة، وبين عدم الاستسلام لمقاييس الأنوثة المفروضة أو السائدة؟

تجيب النائبة الأمريكية في الفيديو: “الأنوثة قوّة. وفي السياسة، نواجه الكثير من الانتقادات حول كيفية تمثيل النساء والأشخاص ذوي الملامح الأنثوية أنفسهم. فمجرد أن تكوني امرأة هو أمر مسيّس في واشنطن. وهناك فكرة خائطة، أنك إن كنت تهتمين بالماكياج والجمال والموضة، فهذا يقلل من قيمتك”.

لا تكتفي ألكساندريا بخطاب المؤثرين المعتاد حول الثقة بالنفس وحبّ الذات، بل تذكرنا أنّ خيارتنا اليومية ليست بتلك البداهة. وتشير إلى أنّ النساء اللواتي يتبرجن في أماكن العمل، يجنين أموالاً أكثر من الأخريات، وتشير إلى أن مستحضرات العناية بالبشرة تقتطع جزءاً كبيراً من دخل النساء، بالرغم من أنهنّ يجنين رواتب أقلّ من الرجال. وذلك أشبه بحلقة مفرغة: إذ عليك أن تبدي جميلة لتجني راتباً أعلى، ولكنك لا تجنين أساساً ما يكفي لتخصيص ميزانية لائقة لمظهرك!

تقول أوكاسيو كورتيز وهي تواصل وضع الماكياج على وجهها: “إن كنت تبدين أكثر جاذبية بالنسبة للرجال، ستجنين مالاً أكثر. برأيي هذا هو نقيض ما يجب أن يكون عليه الجمال. التبرّج يجب أن يكون ملكاً لمن تضعه. نحن نعيش في نظم مصممة لملاءمة الرجال، لذلك فإن كل قرار تتخذينه يجب أن يكون لأنه يلائمك أنت، وليس لأنه المتوقع منك”.

مصدر الصورة
VOGUE/YOUTUBE.COM

من دون أسرار

تمتاز أوكاسيو كورتيز بذكائها الفطري في استخدام مواقع التواصل، خصوصاً تويتر. فهي في الثلاثين من عمرها، أي تنتمي لجيل الألفية كما تصف نفسها في فيديو “فوغ”، ما يمنحها تفوقاً على سياسيين من جيل أكبر لا يتقنون لعبة تويتر جيداً، ومن بينهم الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي تحوّلت تغريداته إلى مادّة للتندّر.

يعجّ الفضاء الرقمي لجيل الألفيّة بالمؤثرين في مجالي الموضة والتجميل، وتعدّ فيديوهات روتين الماكياج اليومي، جزءاً من حياة المستخدمين، لذلك فإنّ موافقة ألكساندريا الظهور في سلسلة عن العناية بالبشرة، دليل على رغبتها بمخاطبة من هم في مثل سنّها، أو أصغر.

وبالرغم من أنّ الفيديو عن “أسرار الجمال”، إلا أنّه خالٍ من الأسرار. فهي تدخلنا إلى حمام منزلها، نرى مناشفها في الخلفية، وتعرفنا على كلبها. تقدّم بذلك صورة لسياسية منفتحة وصريحة، بعكس صورة السياسيين التقليدية القائمة على التستر والتلاعب والانغلاق.

تدرك أوكاسيو كورتيز عمق التقاطع بين الشخصي والسياسي وتشعّبه، وتستمدّ منه استراتيجية تقوم على تحويل حجج خصومها ضدها، إلى نقاط قوّة. فكلّ ما يعدّه منتقدوها عيوباً، تقدمه ألكساندريا كمدعاة للفخر، وكجزء من هويتها، ومن علامتها الشخصيّة. وهذا ملهم للغاية في عالم يحضّ النساء على الخجل بأنفسهنّ.

الكاتب :
المصدر:www.bbc.co.uk

الرابط الاصلي للخبر
ادارة الموقع لا تتبنى وجهة نظر الكاتب او الخبر المنشور بل يقع على عاتق الناشر الاصلي

انضم الى احدى مجموعاتنا انضم الى احدى مجموعاتنا انضم الى احدى مجموعاتنا
تابعنا على تويتر
تابعنا على تويتر

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى