صحافة

“ألمانيا ما بين الحليف التركي والوساطة مع قبرص واليونان” – ميشيل كلاغاصي

ألمانيا ما بين الحليف التركي والوساطة مع قبرص واليونان
المهندس ميشيل كلاغاصي

لطالما كانت النزعة القومية الألمانية قوية وواضحة ولا تخلو من التطرف والتعصب والعنصرية، حالها كحال معظم الدول الأوروبية، وبغض النظر عن المصالح المشتركة والعلاقات السياسية والأحلاف العسكرية والتاريخ الطويل الذي يربط تركيا وألمانيا، تبقى نظرة الأمة الألمانية تجاه العنصر البشري التركي سيئة للغاية ولا تخلو من الكراهية.

وعلى الرغم من ذلك فقد استمر التحالف الألماني التركي حتى بعد الحرب العالمية الأولى مع الجمهورية التركية عام 1923، التي حلّت محل الإمبراطورية العثمانية، ووقع الطرفان “معاهدة الصداقة” عام 1941.

وكان من نتائجها هجرة ملايين الأتراك إلى ألمانيا الغربية لملء الفراغ وتعويض نقص اليد العاملة، الأمر الذي منحهم قدرة التأثير على السياسة الألمانية والرأي العام.

إن عنصرية الألمان ومشاعر الكراهية قديمة وتعود بجذورها إلى أرنودي جوبينو 1816-1882 الدبلوماسي و مؤلف كتاب “بحث في عدم التساوي بين الأجناس البشرية “.

وكان أهم تلاميذه هيوستن شامبرلين الذي عاش في ألمانيا وكتب بالألمانية وُاعتبر فكره ومعلمه الأرضية الأساسية التي قامت عليها “النظرية العنصرية للفكر النازي”، التي كانت وراء مشاعر الكراهية ودفع الأتراك نحو الأعمال التي يأنفون منها مثل عمال المناجم وشق الطرقات والأعمال الخطرة، ويطبقون شعارهم الشهير “اخرجوا أيها الأتراك”, ناهيك عن الشتائم والألفاظ التي كانوا ينعتونهم بها عبر وسائل إعلامهم .

إن تعداد السكان الكبير في كلا البلدين، يدفعهما باتجاه البحث الدائم عن تأمين الطاقة ، خصوصاً مع شح مواردهما الوطنية ، واعتمادهما على المصادر الخارجية لتلبية احتياجاتهما منها، وقد شكّل هذا عاملاً مشتركاً وسبباً رئيسياً لتحالفهما القوي منذ مئات السنين.

وفي القرن التاسع عشر ومع النهضة الصناعية الأوروبية، لم يكن باستطاعة الألمان منافسة البريطانيين والفرنسيين بفضل امتلاكهم عديد المستعمرات والتي تعتبر كخزانات لموادهم الأولية.

الأمر الذي شجع الألمان على الاقتراب أكثر فأكثر من الإمبراطورية العثمانية الممتدة على مساحة كادت تشمل العالم القديم كله، وقدرتها على تأمين المواد الأولية الرخيصة من البلقان إلى الشرق الأوسط وأفريقيا، بعيداً عن النفوذ الروسي والبريطاني والفرنسي.

لكنهم سارعوا لقطع الطريق الألمانية عبر مساعدة اليونان ولاحقاً بلغاريا بالاستقلال عن الإمبراطورية العثمانية، لتكون بمثابة حواجز تعيق الأهداف الألمانية والتركية المشتركة.

وحتى يومنا هذا لم تتغير نظرة الأوروبيين تجاه تركيا، على الرغم من تغير خارطة المصالح والعلاقات التركية مع غالبية دول الاتحاد الأوروبي وتحديداً مع ألمانيا، التي تواصل دعمها العلني والسري وتأييدها للمواقف التركية، حتى في مسألة العدوان التركي على اليونان وقبرص – العضوين في الاتحاد الأوروبي.

ولا تزال في مسيرة بحثها عن الطاقة تحلم بنجاح مشروعها بأن تصبح المركز الرئيسي لخط الأنابيب الذي يربط أكبر احتياطيات الغاز في العالم من شمال روسيا إلى المستهلكين في أوروبا، على الرغم من معارضة واشنطن وتهديدها بفرض العقوبات على ألمانيا.

يبدو أن ذهنية القوة والاستعمار العسكري لا تزال تحكم السياسات الخارجية للدولة الألمانية وأخواتها، عبر ما يسمى الاستعماري الاقتصادي، الذي يحقق نفس الغايات ولكن عبر الضغط والحصار الاقتصادي والتحكم بدفة توجيه الصراعات.

لا يمكن تجاهل سياسة المعايير المزدوجة التي باتت سمة تميز سياسات الدول الأوروبية، والاتحاد الأوروبي، حتى داخل أوروبا، ويمكن ملاحظة سرعة تحرك الاتحاد الأوروبي في إدانة إعادة انتخاب ألكسندر لوكاشينكو وبإعداد حزمة عقوبات ضد بيلاروسيا، في الوقت الذي تستمر فيه محاباة تركيا رغم سياساتها وممارساتها العدائية ضد قبرص، والانتهاك المستمر لمجال البحري، والتصعيد العسكري والحرب المحتملة ضد اليونان.

وفي هذا السياق ، أتى الفيتو الألماني مؤخراً ليقف حائلاً أمام إدانة العدوان التركي على كل من اليونان وقبرص، ويُظهر مصلحتها بتأجيج الصراع بما يكفل إنهاء مشروع خط أنابيب “إست ميد” بين “إسرائيل” وقبرص واليونان المدعوم أمريكياً، للحفاظ على حلم المشروع الألماني كمركزٍ وحيدٍ للطاقة في أوروبا.

بالنسبة للأتراك، ومن خلال معاناتهم نقص الطاقة، فإن استفزازاتهم ضد اليونان وقبرص تصب في خانة التهديد بالنزاع العسكري، أو بإجبار اليونانيين والقبارصة على التنازل عن بعض حقوقهم في الجرف القاري في بحر إيجة وشرق البحر الأبيض المتوسط.

وفي هذا السياق يأتي استرضاء ألمانيا لتركيا مفيداً للطرفين حيال أهدافهما بتأمين مصالحهما في مجال الطاقة، ويأتي الحديث التركي عن اكتشاف كميات كبيرة من الغاز ليُبعد الشبهة والدوافع عن الأطماع التركية التي تخوض الصراع وربما الحرب لأجلها.

ويبقى من اللافت عدم تدخل واشنطن على خط التهدئة ونزع فتيل الحرب؛ يبدو أن فكرة النزاع بحد ذاتها تضعف خصومها وتلبي مصالحها، في وقتٍ عرضت موسكو وساطتها بين أثينا وأنقرة إذا قبل الطرفان, وبقي العرض من دون جواب أو قوبل برفض غير معلن، الأمر الذي دفع ألمانيا للخروج عن صمتها ودخولها على خط الوساطة عبر إرسال وزير خارجيتها إلى تركيا التي تعول على الموقف الألماني الداعم لها خصوصاً مع ترأسها للاتحاد الأوروبي.

وعليه أعلنت تركيا تأجيل مناوراتها العسكرية لإفساح المجال أمام الوسيط الألماني، مع احتفاظ وزير خارجيتها بمواقف بلاده “لن نتنازل عن حقنا في التنقيب وعلى اليونان وقف مناوراتها واستفزازاتها”، وأكد استعداد تركيا للجلوس على طاولة الحوار “دون شروط مسبقة”.

فيما أتى الرد اليوناني عبر وزارة دفاعها وبالإعلان عن تدريبات عسكرية مشتركة بين اليونان وقبرص وإيطاليا وفرنسا في شرق المتوسط، والتي ستجرى بين 26 و28 آب الجاري, وعن اتفاق هذه الدول على نشر وجود مشترك في شرق المتوسط في إطار مبادرة التعاون الرباعية.

كان من الواضح تأييد الوزير الألماني للموقف التركي بدعوته كلا الطرفين بوقف الأعمال “الاستفزازية “، حيث ساوى بين المعتدي والمعتدى عليه، ويبقى كلامه بوقوف ألمانيا والاتحاد الأوروبي إلى جانب اليونان استعراضياً بعيداً عن الذكاء والدبلوماسية الرفيعة، ولا يغير من حقيقة اهتمام ألمانيا بمصالحها الخاصة على حساب مصالح الاتحاد الأوروبي مجتمعاً، وهذا بالطبع هو حال الاتحاد الأوروبي بشكل عام، الذي يغيب فيه التضامن الحقيقي وتسوده المصالح الفردية وازدواجية المعايير.

الكاتب : ميشيل كلاغاصي
المصدر:alarabi.press

الرابط الاصلي للخبر
ادارة الموقع لا تتبنى وجهة نظر الكاتب او الخبر المنشور بل يقع على عاتق الناشر الاصلي

انضم الى احدى مجموعاتنا انضم الى احدى مجموعاتنا انضم الى احدى مجموعاتنا
تابعنا على تويتر
تابعنا على تويتر

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى