صحافة

“استهداف روسيا في سوريا .. أيّ حسابات لـ تركيا؟” – الدكتورة حسناء نصر الحسين

استهداف روسيا في سوريا .. أي حسابات للتركي؟. وما الانعكاسات على المشهد السوري؟
الدكتورة حسناء نصر الحسين – باحثة في العلاقات الدولية

على وقع التجاذبات الحادة في المنطقة تعمل تركيا العثمانية على رسم خطوطها الاستعمارية من خلال ترسيخ مفهوم “العثمانية اولا”، وذلك من خلال استنهاض تاريخها الإجرامي الاستعماري الطويل في حقبة اختلفت عن سابقاتها تلك بمئات الأعوام، فالعداء للدول العربية حاضراً في ذاكرة السيد أردوغان الذي ذهب بأطماعه إلى مرحلة من التدمير الذاتي للدولة التركية، فكانت الجبهات العديدة التي فتحها في عدة دول ماهي الا بداية الانكسار لهذه الدولة.

من هنا نرى هذه السياسة الرعناء تتبنى الاتفاقيات وتنكّث بها، كما تحاول تركيا فعله في الحالة السورية، من خلال التخلي عن اتفاقية موسكو التي تعتبر ملحقاً هاماً لاتفاقية سوتشي لعام 2018 ، وهذا ما عبر عنه صراحة وزير الخارجية التركي مولود جاويش اوغلو.

في إشارة إلى رغبة تركيا من التملص والتخلص من هذا الاتفاق (سوتشي) واتفاق موسكو لعام 2020، الذي تم التوصل إليه بعد معركة كبيرة خاضها الجيش العربي السوري وحلفائه مع التركي ووكلائه من الأجنحة الإرهابية، واعتبرت هذه المعركة مفصلية ومحورية في الحرب الكونية الدائرة في سورية، حيث استطاع الجيش العربي السوري بمساندة حلفائه من إحراز تقدماً استراتيجياً عندما تمكن من السيطرة على مدينة سراقب الاستراتيجية وتحرير مدينة معرة النعمان؛ من خلال هذا النصر استطاعت الدولة السورية من استعادة الطريق الدوليM5، ورسم خارطة تحرير الطريق الدوليM4 ، من خلال تحرير مدينة سراقب ومدينة معرة النعمان الاستراتيجيتين.

أمام هذا النصر الكبير وما نتج عنه من استحقاقات ترسم قواعد اشتباك جديدة في محافظة ادلب، التي تعتبر بؤرة للإرهاب العالمي يحاول فيها اللاعبين الدوليين والاقليميين فرض سياسات بلادهم الاستعمارية على أراضي الدولة السورية، ولعل ما تم إنجازه في هذه المعارك من سيطرة للدولة السورية على عشرات القرى والبلدات والفضيحة الكبرى لأحد اكبر جيوش الناتو، سارع الرئيس التركي للكرملين لحفظ ماء الوجه بعد قتل أكثر من ٣٣ عسكري تركي في هذه المعركة لتقديم طوق النجاة فكان اتفاق موسكو الذي فرض على تركيا الالتزام بتعهداتها في اتفاقيات أستانا وسوتشي .

كان الاتفاق على التزام تركيا بفصل ما يُسمى بالمعارضة المعتدلة عن القوى الظلامية، من خلال تسيير دوريات مشتركة روسية – تركية على طول الطريق الواصل بيت اللاذقية وحلب M4، إلا أن التركي الذي يمتهن سياسة الكذب والمراوغة، وعند وصول هذا الاتفاق لحيز التنفيذ من خلال تسيير دورياته رقم 21، التي بموجبها لو نجحت يتم فتح الطريق بالكامل أمام المواطنين وعودة الطريق للخدمة، في خطوة تشكل إنعاش اقتصادي كبير للدولة السورية، تم افتعال أزمة جديدة من خلال استهداف القوى الإرهابية لهذه الدورية المشتركة بإيعاز تركي، محاولاً التغطية ضمن وجود جنود أتراك على مؤامرته التي تستهدف الروسي بالدرجة الأولى، محاولاً نسف اتفاق موسكو و سوتشي لإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل مرحلة التحرير الكبير في سراقب، وإخراج محافظة ادلب من اي تسوية سياسية من خلال القضاء على منطقة خفض التصعيد، وإعادة حالة التوتر إليها، حيث وجد أردوغان نفسه خاسراً، وأمام هذه الخسارة كان لابد من إعادة افتعال أزمة مع الجانب الروسي للعودة بالملف السوري لنقطة ما قبل النصر الكبير.

تشابك الملفات واختلاف المصالح وتواجد روسيا في الملف الليبي، دفع بالرئيس التركي أردوغان لمحاربة مصالح روسيا في المنطقة، هذا بالتزامن مع عمليات تدريب المحتل الأمريكي لعناصر إرهابية في منطقة التنف الواقعة على الحدود السورية الأردنية العراقية، وهنا يجدر بنا السؤال: هل يريد السيد أردوغان العودة بالعلاقة التركية الروسية لعام 2015عندما استهدفت القوات المحتلة التركية الطائرة الروسية ومن المستفيد من هذا الاستهداف؟.

لعل العقلية العثمانية للسيد أردوغان تجعلنا نفهم بشكل دقيق أنّ الهدف من استهداف هذه الدورية هو بمثابة انسحاب تركي من اتفاقية سوتشي، وهذا سينعكس سلباً على أيّ مسار سياسي للحرب الكونية مع سوريا، وهذا يؤكد أيضاً رغبة النظام التركي بتقسيم سوريا من خلال إبقاء محافظة ادلب بأيدي اذرعه الإرهابية، وإبقاء مشروع الدولة السورية بتحرير شرق الفرات صعب المنال، وهذا يصب في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية من خلال إطالة أمد احتلالها وسرقتها لثروات ومقدرات الشعب السوري.

ولعل امتعاض تركيا من روسيا في الملف الليبي الشائك، ومنع روسيا لتركيا من السيطرة على ميناء سرت والجفرة، وما حدث مؤخراً في القضية الارمينية – الأذربيجانية، تجعلنا نذهب إلى قراءة واضحة بأن تركيا تحاول استفزاز روسيا من خلال تصريحات أردوغان بشأن هذه القضية، حيث عبر عن دعمه لأذربيجان ضد ارمينيا، التي لها خصوصيتها عند الجانب الروسي، فهذه الملفات شكلت فصلاً جديداً من الخلاف التركي الروسي، وسيكون له اثراً كبيراً عند اصحاب القرار في الكرملين، ولن تكون الضربات الجوية الروسية لمناطق شرق الفرات المحتلة من تركيا آخر قرار يتم اتخاذه، ولن يسمح القيصر الروسي لتركيا أنّ تغير في قواعد الاشتباك، التي ارستها اتفاقية سوتشي وملحق موسكو، خصوصاً أنّ الجيش العربي السوري تواقاً لاستكمال التحرير الكبير، من خلال القضاء على مجاميع القوى الإرهابية في محافظة ادلب، وقطع الطريق أمام اطماع تركيا بالتمدد العسكري لجنودها داخل الأراضي السورية، واقتطاع أجزاء من أراضيها عبر مسمى المنطقة الآمنة في إدلب.

هذا الطرح التركي ينسجم بشكل كبير مع ما يقدمه المحتل الأمريكي، من خلال طرحه للممرات الآمنة بحجة إيصال المساعدات للشعب السوري، وهذه المساعدات ماهي الا شحنات أسلحة ومعدات حربية تصل للإرهاب المتواجد في تلك المناطق المحتلة من قبل قوى الاستعمار المتجدد، فمهما تضاربت تلك المصالح أو التقت فكل الامل ينصب على قواتنا المسلحة جيشنا العربي السوري، والقادر على اسقاط كل المؤامرات ضد بلدي سوريا، فكل تحديات المرحلة الماضية لا تقل ضراوة عن ما يجري الآن، واستطاع الجيش العربي السوري من إفشالها وتجاوزها بنجاح، وهذ يضعنا أمام حقيقة واحدة، فمقابل كل تحرك تآمري يزداد جدار الصد السوري قوة وصلابة ويصعب على اعداء سوريا ولو احداث ثقب فيه.
عاشت سوريا حرة ابية وعاش جيشها العربي السوري.

الكاتب : الوكالة العربية للأخبار
المصدر:www.alarabi.press

الرابط الاصلي للخبر
ادارة الموقع لا تتبنى وجهة نظر الكاتب او الخبر المنشور بل يقع على عاتق الناشر الاصلي

انضم الى احدى مجموعاتنا انضم الى احدى مجموعاتنا انضم الى احدى مجموعاتنا
تابعنا على تويتر
تابعنا على تويتر

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى