العالم الاسلامي

التصعيد التركي شمال سوريا بين السياق الاستراتيجي والمستجد

العالم – قضية اليوم

في اقصى الخارطة السورية، يحاول التركي تطبيق حسابات حقله مع بيدر المجموعات المسلحة التابعة له، ويراكم النظام في تركيا أخطاءه، ويمضي في إحصاء اوهامه، ابتداء من حلم المنطقة الامنة او العازلة في الشمال السوري، الى انتزاع أراض سورية وضمها لتركيا، بالإضافة الى لغو سياسي لا يتعدى كونه اضغاث أحلام، وهلوسات سياسية، تتناغم مع شريكه الأمريكي، في محاولة واضحة وسريعة لإعادة رسم قواعد اشتباك في منطقة تعتبر الاعقد في خارطة الحرب المفروضة على سورية، ووضع جملة خيارات امام الأمريكي والروسي، عبر شن عملية عسكرية تضع المنطقة كلها على فوهة بركان، قد ينفجر في أي لحظة، وهنا لا بد من الإشارة ان ما يقوم به التركي لا يفرق كثيرا عن الدور الأمريكي، عبر التلاعب السياسي المبني على افتراضات ميدانية تحاكي رغبة الطرفين في الاستيلاء على مقدرات سورية.

لغة المبارزة ورفع السقف التي يمارسها التركي، لها أسباب عديدة، وهي قديمة وليست بجديدة، وتتوزع بين ما هو استراتيجي، وسياق مستجد اخر، فقرع طبول الحرب ليست للعبث السياسي، حيث المشهد يتدحرج في سياق استراتيجي تبدو احلام المستعمر التركي بتغيير حدود تركيا النهائية، التي اقرتها المعاهدات الدولية في عشرينيات القرن المنصرم مرئية للعيان، فأردوغان لم يخفِ على الاطلاق اطماعه التوسعية تصريحاً او تلميحاً، وتحدث عن انه لا يمكن ان تحبس تركيا ضمن حدودها الحالية، وابتدع بدعة جديدة في عالم السياسة اسماها “حدودنا القلبية”، ليشمل ضمنها العديد من المناطق التي كانت مستعمرات تحت الاحتلال العثماني. وفي هذا السياق فإن مشروعه العدواني الذي اسماه “ممر السلام” هو إطار توسعي استعماري يحمل ملامح ممارسة التهجير القسري والتغيير الديموغرافي، تحت ذريعة قلقه مما يسميه الجناح او الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني،

وفي المقابل المشهد ليس حكراً على أبعاده الاستراتيجية الكبرى، ولا على عناوينه العريضة، وإنما يصل إلى التفاصيل التي تداخلت، وتشابكت فيها القراءات والتحليلات، لتشكل بمجملها رسالة واحدة مفادها أن نقطة الانعطاف الأساسية لن تكون فقط على المستوى السوري، بل تصل الى الإقليم والعالم، فهناك مستجدات ظرفية لا بد للتركي ان يأخذها بعين الاعتبار، فالاتفاق الموقع أخيراً ما بين ما يطلق عليه “حزب الارادة الشعبية” المعارض في موسكو مع ما يسمى “مجلس سورية الديمقراطية” “مسد” اعاد خلط الاوراق بصورة لا بد انها تقلق الاتراك، فحديث الروس مع بيدرسون حول آليات دمج المكون الكردي ضمن العملية السياسية، تمثل على ما يبدو كعامل ضغط على التركي في مواجهة محاولاتهم للتدخل، بالإضافة الى تعقيد اعمال اللجنة الدستورية من جهة، وعدم جدية التركي ومماطلته في تنفيذ تعهداته فيما يتعلق بإدلب والتخلي عن الارهاب في وقت واحد. واذا ما اضيف لهذه الصورة تصاعد وتيرة العمليات المعادية للجيش التركي في جنوب غرب تركيا، فهذا بالتأكيد وضع خطير بالنسبة للتركي، الذي يستمر في الهروب الى الامام ويتجنب الاقتناع بأن استقراره الجيوبوليتيكي، ووحدة اراضيه لا يمكن لها الا ان تمر عبر استقرار وسلامة الاراضي السورية.

ومما لا شك فيه ان هذه الحشود التركية تعود لتحرك التناقض ما بين مشروع انعزالي يتمثل في قسد ومسد يرعاه الامريكي ويساهم فيه مؤخراً السعودي بصورة اكثر وضوحاً، ومشروع آخر تركي يتمثل في دعم الارهابيين السوريين المشغلين من قبل الاتراك، بكافة اشكالهم ومسمياتهم، ويختزن معالم واضحة للتطهير العرقي والتغيير الديمغرافي ويختزن ايضاً طموحات طورانية توسعية، هذا التناقض يمثل عامل ضغط اضافي يحد من الخيارات التركية لانه يهدد بنقل التناقض التركي – الامريكي الى ما هو خارج امكانية ادارة الخلاف وتأجيله.

وتأتي هذه التطورات في ظل تطورات اخرى سلبية تتمثل في خلافات داخل المعسكر الحليف لتركيا في ليبيا، وتحول الاتحاد الاوروبي تدريجياً نحو مزيد من الحزم مع تركيا على خلفية غاز المتوسط، وتقدم فرنسا نحو حافة الصدام السياسي والعسكري البحري مع تركيا على الخلفية ذاتها.

حسام زیدان

الكاتب :
المصدر:www.alalamtv.net

الرابط الاصلي للخبر
ادارة الموقع لا تتبنى وجهة نظر الكاتب او الخبر المنشور بل يقع على عاتق الناشر الاصلي

انضم الى احدى مجموعاتنا انضم الى احدى مجموعاتنا انضم الى احدى مجموعاتنا
تابعنا على تويتر
تابعنا على تويتر

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى