صحافة

بين البدع والأعراف الدستوريّة… ما هكذا تورد الإبل

يعنّ على بال المنظومة السياسيّة القائمة، على تناقضاتها، التحدّث جهاراً عن تمسّكها بالأعراف عند المفاصل الدقيقة ومفترقات الطرق، والعودة إليها كثابتة وأساس في المحطّات الدستوريّة، من غير وجه حق واعتباطيّاً.
تفعل هذه المنظومة الأمر بتبسيط مخجل، في إسقاط متعمّد للمرتكزات، وفي معظم الأحيان وسط الوضوح التام في النصوص الدستوريّة والقانونيّة التي لا تقبل اجتهاداً ولا توسّعاً في التفسير، وفي تشويه لأبسط شروط قيام العرف في جوهره وأصوله.
لم يحدث منذ التوقيع على وثيقة الوفاق الوطني، أن نشأ عرف واحد مشروع، صالح وقِيَميّ، من خارج الدستور والقوانين المرعيّة الاجراء، يمكن أن تُطلق عليه هذه السِمَة. لا في انتخابات الرئاسة الأولى. لا في طريقة التكليف ومن ثم تأليف الحكومات وزمنيّة ما قبلهما وما بينهما. لا في مراسيم منح الجنسيّة. لا في جعل مجلس الوزراء ميني مجلس نيابي. لا في تطبيق مفهوم الديمقراطيّة التوافقيّة. لا في كيفيّة إجراء المشاورات الملزمة وغير الملزمة. لا في كافة التعيينات. ولا أخيراً منعاً للاسترسال وعلى سبيل المثال لا الحصر، في التأليف قبل التكليف، وفي الثلث المعطّل أو الضامن، والوزير الملك، والتوقيع الثالث، ووزراء الرئيس، وتوزيع الوزارات على طوائف ومذاهب محدّدة، وتكليف الكتل النيابيّة اختيار من يمثّلها في مجلس الوزراء، في موازاة ممارسات أخرى على غرار تعطيل الانتخابات النيابيّة وإقفال مجلس النواب وتقصّد الفراغ الدستوري في مركز الرئاسة الأولى وتأجيل الدعوات إلى استشارات نيابيّة ملزمة.
في مجمل هذه العناوين، عملت المنظومة السياسيّة القائمة على تجيير ما تستولده من بدع خاصّة بها وعلى طريقة إخراج الأرنب من القبّعة، في سبيل فوائد آنيّة ضيّقة وضمن إيقاعات مصلحيّة وهرطقات خارجة عن المقاييس، محاولة جعل البدع بمثابة العرف وهذا ما لا يمكن أن يستقيم. علماً أنّ العرف في المطلق ليس عيباً ولا أمراً هجيناً ولا لقيطاً، فهو بطبيعة الحال يترعرع على جوانب الأصول الدستوريّة وفي محاذاة القوانين، ولذلك يكتسب صفة المصدر من مصادر القانون عامة.
العُرف يا سادة ببساطة، هو عبارةٌ عن مجموعةٍ من القواعد والمفاهيم والمعايير، غير مدوّنة ولم يفرضها التشريع، ألِفَها العامة فاتّفقوا عليها أو باتت مقبولة لديهم. كما أنّ العُرف هو ما استقرّ في النفوس، وتلقّته الطباع السليمة بالقبول والاستئناس قولاً وفعلاً، شرط عدم مخالفة النظام العام ولا معارضة أي نصّ تشريعيّ قائم أو إجماع سابق.
وهو أخيراً لا يتكوّن بفعلِ سلوك شخصٍ معيّن أو موقفٍ محدّدٍ خاص، بل صادر عن ممارسةٍ عامة معمول بها منذ زمن، في اطّراد وتواتر، بفعل التكرار في حدودٍ واضحة ومناسبات ثابتة، ضمن قاعدةٍ مستقرّة ومجرّدة.
فهل أَلِفَ العامة في لبنان وأشهروا قبولهم المناورات السياسيّة والفراغ والتعطيل وشلّ المؤسّسات، في سبيل ابرام “عرف” اختيار “القوّي” في طائفته أو مذهبه أو من يتفرّع عنه، رئيساً للجمهوريّة أو رئيساً لمجلس النواب أو رئيساً لمجلس الوزراء أو حتّى وزيراً ومديراً عاماً؟!
ماذا يمكن توصيف تنازل نوّاب أو كتل بأمّها وأبوها عن حقّها الدستوري لصالح رئيس الجمهوريّة في تسمية الرئيس المكلّف في الاستشارات الملزمة لها، أهي ممارسة مجرّدة لا تخالف النظام العام أو أيّ نص تشريعيّ قائم؟!
وكيف يمكن قبول فرض تحديد طائفيّة الوزارات وتسمية الوزراء وإسقاطهم على الحقائب في استشارات غير ملزمة أمام الرئيس المكّلف، الذي يقع عليه تأليف الحكومة؟!
ألا يخالف النص الدستوري الصريح عدم قيام مجلس النواب بمراقبة ومحاسبة الحكومة عندما يتولّى هذا المجلس بكتله عمليّة اختيار ممثلّيه في مجلس الوزراء؟! فمن يكون عندها يراقب ويحاسب، أذاته؟!
وهل من ضرورة للتذكير بالجدل الواسع الذي رافق الامتناع عن توقيع تشكيلات قضائيّة، وتعليق حقوق الناجحين بمباريات الخدمة المدنيّة، وإصدار مراسيم بمنح الجنسيّة في ظل شكوك والتباسات وفي بداية العهد لا في ختامه ومن خارج الحدود الواضحة والمناسبات الثابتة، ومؤخرّاً موضوع الصلاحيّات في المادة 52 من الدستور التي سبقت الإعلان عن “اتفاق الإطار” في التفاوض على ترسيم الحدود، والتي تلته، ما بين رئاسة المجلس النيابي ورئاسة مجلس الوزراء ورئاسة الجمهوريّة؟!
أمّا عن تلبيس نادي رؤساء الحكومات السابقين عباءة مذهبهم لمن اصطفوه لرئاسة الحكومة أو عن التكليف الذاتي الشخصي الطبيعي لرئاسة الحكومة أو إبقاء وزارة المال مع رئيس الحكومة على أن يُسمّي وزير دولة لشؤون المال، فحدّث ولا حرج في ما لا يمكن أن تتلقّاه الطباع السليمة بالقبول والاستئناس لا قولاً ولا فعلاً.
هذه ليست أعرافاً ولن تكون. إنّها بدع وليست بحقوق مكتسبة، تتسلّل مرّة ومرّتين وثلاث، أو يحاول فرضها فريق تغلّب أو استقوى يوماً على فريق آخر في لحظة ما، وإذا ما “انكسر” في يوم آخر هذا الفريق عينه أمام الآخر ذاته في لحظة مختلفة، يروح ينفي عنه “العرف” الذي سبق أن وضعه، كما حصل مع إلغاء المبدأ الديمقراطي المنتج لأغلبيّة تحكم وأقليّة تعارض.
كم يشبه هذا الواقع ما حدث في غابر الزمان والمكان زمن الجاهليّة، حين أنّ رجلاً يدعى مالك بن مناء بعد أن تزوّج، انشغل بأمور زوجته ومنزله الجديد، فأوكل شقيقه سعد برعاية أغنامه وتوريدِ إبله. لم يُحسن الأخير التعامل معها، فهاجت وماجت وتفرّقت عليه. فقال فيه أخاه مالك: “أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا يا سعد تورد الإبل”. ومن يومها يطلق هذا المثل على من لم يكن على قدر المسؤوليّة الملقاة على عاتقه وعلى من تكلّف أمراً قصّر فيه.
“ما هكذا تورد الإبل” يا أيّها السادة من الذين اؤتمنتم على حسن تطبيق الدستور وانتظام عمل السلطات والمؤسّسات الدستوريّة…وإنقاذ البلاد.

الكاتب : Stephny Ishac
المصدر:www.lebanonfiles.com

الرابط الاصلي للخبر
ادارة الموقع لا تتبنى وجهة نظر الكاتب او الخبر المنشور بل يقع على عاتق الناشر الاصلي

انضم الى احدى مجموعاتنا انضم الى احدى مجموعاتنا انضم الى احدى مجموعاتنا
تابعنا على تويتر
تابعنا على تويتر

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى