صحافة

صديق بوتين وبارون التعدين.. كيف تسبب أغنى رجل في روسيا بأكبر ذوبان في القطب الشمالي؟

يُعتَبَر الملياردير فلاديمير بوتانين، أحد أفراد الطبقة الأوليغارشية الأصلية في روسيا، واحداً من بين قلائل ظلوا نشطين في عهد الرئيس الروسي فلادمير بوتين. ووفقاً لمؤشِّر Bloomberg للمليارديرات حول العالم، تُقدَّر ثروة بارون التعدين بـ27.8 مليار دولار، إذ يُشار إليه في كثيرٍ من الأحيان باعتباره العقل المُدبِّر وراء البرنامج الروسي للقروض مقابل الأسهم، الذي أدَّى إلى خصخصة شركات الموارد الطبيعية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. ويلعب الملياردير، الأب لسبعة أبناء، الهوكي أحياناً مع الرئيس بوتين وغيره من الشخصيات الروسية البارزة. وأصبح شريكاً في ملكية شركة Nornickel للتعدين في عام 1995، ويظلُّ رئيسها التنفيذي منذ عام 2012. 

وتعتبر مدينة نوريلسك الروسية التي يمتلك بوتانين مصانع التعدين الضخمة فيها، والتي تقع في أقصى شمال سيبيريا، ثاني أكبر مدينة في القطب المتجمد الشمالي، ويبلغ عدد سكَّانها 180 ألف نسمة، إذ تعتبر موطناً لعمليات شركة Nornickel المترامية في القطب الشمالي، ويرجع تاريخ التعدين في المدينة، إلى عهد جوزيف ستالين، الذي استخدَمَ معتقلي الغولاغ لبناء مصانع لتوفير المعادن من أجل صناعة السلاح السوفييتية قبل الحرب العالمية الثانية. 

ولطالما كانت المناجم ومنشآت التكرير في المنطقة هدفاً لنشطاء الدفاع عن البيئة. وينبعث من مصاهر شركة Nornickel قدر من ثاني أكسيد الكربون أكثر من أيِّ شركةٍ أخرى في العالم، إذ يُقدَّر انبعاث الغاز من هذه الشركة بثلثي ما ينبعث في كلِّ أوروبا الشرقية مجتمعةً.  ويتسبَّب ثاني أكسيد الكبريت في هطول أمطار حامضية، وقد ارتبط مع مُلوِّثات طاقة أخرى بموت أكثر من 4 ملايين شخص حول العالم كلَّ عام، بسبب أمراض القلب والسكتات الدماغية والسرطان، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية.

كيف تسبب أغنى رجل في روسيا بأكبر ذوبان في القطب الشمالي؟

بوتانين أمام بوتين/ تاس

في 19 من يوليو/حزيران الماضي، وَقَفَ فلاديمير بوتانين، أحد أغنى 50 شخصاً على هذا الكوكب، بإحراجٍ في السهول السيبيرية الجرداء بالقرب من مدينة نوريلسك التعدينية النائية. لم يمض أكثر من أسبوعٍ منذ التسريب الذي هدَّدَ بأن يصبح إحدى أسوأ الكوارث الروسية في القطب الشمالي، والذي نَجَمَ عن خزان وقود تستخدمه عمليات التعدين. كان الملياردير على وشك أن يتلقَّى انتقاداً شفهياً من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمام حشدٍ من الحضور الوطني، كما تقول وكالة Bloomberg الأمريكية.

كان من المُفتَرَض أن يكون البثُّ المباشر احتفالاً بيوم عالم البيئة، ما يعني أن التوقيت هو الأسوأ على الإطلاق. تصدَّرَت شركة Nornickel، التي يديرها بوتانين، العناوين الرئيسية في الصحف العالمية في 29 مايو/أيَّار، بعد تسرُّب ما يُقدَّر بـ150 ألف برميل من الديزل إلى النظام البيئي المُدمَّر في القطب الشمالي. أطلق الحادث سيلاً من الأخبار الكئيبة من جميع أنحاء سيبيريا طوال الصيف، وشملت هذه الأخبار توقُّعاً بأن ترتفع درجة الحرارة إلى مستوياتٍ قياسية في غضون أسابيع، علاوة على حرائق الغابات المُروِّعة، وذوبان الجليد الدائم. لم يكن الزعيم الروسي مسروراً بذلك. 

قال بوتين في المؤتمر الذي انعَقَد بالفيديو، مشيراً إلى بوتانين رسمياً باسم عائلته: “فلاديمير أوليغوفيتش، لقد عرفنا بعضنا لفترةٍ طويلة من الزمن”. وطالَبَ متسائلاً: “أليس صحيحاً أن تكلفة التنظيف ستتجاوز بكثير قيمة خزان الديزل الذي انهار؟”، فيما اعترف الملياردير: “بالطبع”. واستطرد بوتين قائلاً إنه إذا كانت الشركة قد استبدلت الخزان الذي حدث فيه التسريب، “لما كان وَقَعَ ضررٌ بيئي، ولما كانت الشركة لتتحمَّل مثل هذه التكاليف”. 

2 مليار دولار غرامة التلويث

شركة Nornickel/ تاس

انتَقَل النقاش إلى قضايا أخرى، تاركاً بوتانين، البالغ 59 عاماً، في السهل السيبيري في مواجهة مشكلةٍ صعبة الإصلاح. لم يكن الضرر البيئي فقط هو ما حفَّزَ بوتين لإظهار غضبه، ولا الخطر الضمني لأيِّ رجل أعمالٍ يقف على الجانب الخطأ من الكرملين. قدَّرَت هيئة مراقبة بيئية غراماتٍ بقيمة 148 مليار روبل (2 مليار دولار) على الشركة لتلويثها المنطقة. 

كَشَفَ هذا الصيف عن الدور غير المُحتَمَل الذي يجد بوتانين نفسه يضطلع به في مواجهة التغيُّر المناخي. ويأخذ القطب الشمالي في الاحترار بسرعةٍ كبيرة -أكثر من ضعف المُعدَّل العالمي- إلى درجة أنه أصبح بمثابة مؤشِّرٍ بارز. ويصادف أن القطب الشمالي هو المنطقة التي تنتج فيها مناجم شركة Nornickel كمياتٍ كبيرة من المعادن الضرورية للبطاريات القابلة لإعادة الشحن. إنه مصدر النيكل والكوبالت الموجودين في ملايين العربات الكهربائية، علاوة على قدرٍ كبيرٍ من البلاديوم داخل المُحوِّلات الحفَّازة التي تقلِّل من انبعاثات العوادم. 

دَفَعَ هذا بوتانين إلى موقفٍ متناقض. فهو يدير مجتمع تعدينٍ مترامي الأطراف ينتج المواد الخام اللازمة لاستبدال الوقود الأحفوري، وفي الوقت نفسه تضخُّ عملياته كمياتٍ كبيرة من التلوُّث الخطير في القطب الشمالي الهش. وهنا، تذوب الأصول الغنية لأغنى مواطن في روسيا -ذلك الجزء من الغطاء الجليدي في العالم- أمام عينيه. 

كان ذلك في أغسطس/آب حين رتَّبَ بوتانين للقاء مراسل قسم Green بوكالة Bloomberg الأمريكية، بعد شهرين من توبيخه من قِبَلِ بوتين وهو في سيبيريا. يقع مكتبه بالقرب من موسكو داخل نادي لوجكي، وهو منتجعٌ شيَّده ويعيش ويعمل فيه. تُغلَق المنشأة أمام المارة والغرباء بسبب الجائحة. ويقوم طبيبٌ بفحص درجات حرارة زوَّار بوتانين وحناجرهم. 

إنه بالطبع يقر بالفعل بأن الرئيس الروسي كان على صواب، لكنه يوضح أنه أساء حساب الأمور وتجاهَلَ المخاطر. يقول بوتانين: “أظهر الحادث أن عواقب ذوبان التربة الصقيعية يُقلَّل من شأنها بوجهٍ عام”. 

تهديد البنية التحتية

تذوب التربة الصقيعية التي كانت مُجمَّدةً لآلاف السنين مع ارتفاع درجات حرارة القطب الشمالي. وبينما تأثَّرَت جميع الشركات والمدن المبنية على التربة المتجمِّدة، فإن شركة Nornickel مُعرَّضة للخطر بصورةٍ خاصة. ووفقاً لشركة الاستشارات المالية والاستثمارية مورغان ستانلي، فإن 85% من البنية التحتية لشركة Nornickel، من الطرق وخطوط الأنابيب إلى مصانع المعالجة، تقبع فوق التربة الصقيعية التي تتعرَّض للذوبان. 

وتتسبَّب هذه العملية في زلزالٍ بطيءٍ لما كان من قبل أرضاً صلبة. ومن جانب بوتين، لم يجرِ التعامل مع قضية المناخ إلا على نحوٍ طفيف. وبعد أكثر من ثلاث سنواتٍ من التباطؤ، صدَّق الزعيم الروسي على اتفاقية باريس للمناخ عام 2015. ولم تكن أسبابه تتعلَّق بالعلم المناخي بقدر ما تعلَّقَت بالجغرافيا السياسية والناتج المحلي الإجمالي. قال بوتين في العام الماضي بعد جولةٍ في قاعدةٍ عسكرية بالقطب الشمالي: “المشاركة في هذه العملية مهمة بالنسبة لبلدنا”. 

المعدات المستخدمة في عملية التنظيف بعد تسرب الوقود في 29 مايو في القطب الشمالي/ تاس

ويرى بوتانين أن المخاطر الناجمة عن تغيُّر المناخ والتي تتعرَّض لها شركته هي مشكلةٌ روسية بالأساس، لأن 60% من أراضي الدولة عبارة عن تربةٍ صقيعيةٍ دائمة. واعتاد الروس على الأخبار حول الأخاديد التي يصل عمقها إلى 280 قدماً والتي تبتلع المنازل. واعتادوا أيضاً على اعتبار هذه القضايا جزءاً طبيعياً من الحياة، على حدِّ قول بوتانين، وهو نوع الضرر الذي كان بحاجةٍ فقط إلى إصلاحاتٍ صغيرة قبل المُضي قُدُماً. ويقول مشيراً إلى خزان الديزل القديم الذي تسبَّبَ له في الكثير من المشكلات: “اتَّضَحَ أن هذا يكفي. لقد عفا الزمن على هذا الموقف الروتيني تجاه التربة الصقيعية”. 

كانت درجة الحرارة في بعض أجزاء سيبيريا أعلى بمقدار 8 درجات مئوية، خلال الستة أشهر الأولى من العام الجاري، عن المتوسط التاريخي. وسجَّلَت إحدى البلدات، وهي فيركويانسك، درجة حرارة بلغت 38 درجة مئوية في يونيو/حزيران، وهو شهرٌ تصل فيه أقصى درجات الحرارة إلى حوالي 20 درجة مئوية. وبمعدَّلات الاحترار الحالية، تتوقَّع الأكاديمية الروسية للعلوم أن منطقة التربة الصقيعية في البلاد سوف تتقلَّص إلى 25% بحلول عام 2080، ما يُهدِّد بنية تحتية تُقدَّر بـ250 مليار دولار. 

الخطر أكبر من ذلك أيضاً

ولا يتوقَّف الخطر على القطب الشمالي وأصحاب الشركات هناك، إذ إن الأرض المُتجمِّدة تعمل بمثابة مخزنٍ طويل الأمد للغازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان. وفي الواقع، تبلغ كمية ثاني أكسيد الكربون المحصورة في الأرض المُتجمِّدة ضعف ما هو موجود بالفعل ضمن الغلاف الجوي. وعندما تذوب التربة الصقيعية، سوف تسرِّع هذه الغازات من احترار الكوكب. أُذيبَت أيضاً جثث الحيوانات المُجمَّدة منذ فترةٍ طويلة -حتى الماموث الصوفي- ويفتح ذلك الباب أمام إطلاق البكتيريا والفيروسات القاتلة. وبالفعل كان هناك تفشٍ لمرض الجمرة الخبيثة في سيبيريا بسبب رعي الرنة في التربة الصقيعية المُذابة، ومن ثم نُقِلَ مُسبِّب المرض للسكَّان المحليين. 

وليس العلماء مُتأكِّدين حتى الآن ما إذا كانت إذابة الجليد قد وَصَلَت إلى حدِّ الذروة، التي سيبدأ بعدها القطب الشمالي في إطلاق الغازات المُخزَّنة حتى إذا توقَّف الاحتباس الحراري. يقول جان هيورت، خبير التربة الصقيعية بجامعة أولو الفنلندية: “إن ضرراً واقعاً على بنية تحتية لا يدل على أيِّ شيءٍ، لكن هذا الاتجاه مهمٌّ للغاية”. ويضيف: “هناك الكثير من التغيُّرات الحادثة بالفعل، وربما تجاوزنا حدَّ الذروة”. 

يقر بوتانين بأن شركته قد أساءت تقدير الخطر الذي قد تشكِّله على التربة الصقيعية، وهو لا يستبعد الخطأ البشري لأعمال الصيانة، والتحقيق جارٍ في ذلك. ويتعهَّد الملياردير الروسي بأن تدعم شركته نفسها بنفسها. 

أنفقت شركة Nornickel حوالي 150 مليون دولار، وفقاً لتقديراتها الخاصة، لجمع 90% مِمَّا تسرَّب في مايو/أيَّار، لكن بوتانين يقول إنها فقط البداية. ستُستبدَل الآن كلُّ البنية التحتية القديمة، حتى تلك المنشآت التي تحمل ما يسميه بوتانين مخاطر نظرية، وسوف يُطبَّق نظام مراقبة وحواجز للحفاظ على سلامة التربة الصقيعية في مرافق الوقود التابعة للشركة. وتُقدَّر التكلفة الإجمالي بأكثر من 170 مليون دولار في الإنفاق الإضافي على مدار العامين المقبلين، فيما سيُنفَق المزيد على ترميم المنطقة المتضرِّرة. 

!function (f, b, e, v, n, t, s) {
if (f.fbq) return;
n = f.fbq = function () {
n.callMethod ? n.callMethod.apply(n, arguments) : n.queue.push(arguments)
};

if (!f._fbq) f._fbq = n;
n.push = n;
n.loaded = !0;
n.version = ‘2.0’;
n.queue = [];
t = b.createElement(e);
t.async = !0;
t.src = v;
s = b.getElementsByTagName(e)[0];
s.parentNode.insertBefore(t, s)
}(window, document, ‘script’, ‘https://connect.facebook.net/en_US/fbevents.js’);

fbq(‘init’, ‘2095306963815194’);
fbq(‘track’, ‘PageView’);

الكاتب : ترجمة
المصدر:arabicpost.me

الرابط الاصلي للخبر
ادارة الموقع لا تتبنى وجهة نظر الكاتب او الخبر المنشور بل يقع على عاتق الناشر الاصلي

انضم الى احدى مجموعاتنا انضم الى احدى مجموعاتنا انضم الى احدى مجموعاتنا
تابعنا على تويتر
تابعنا على تويتر

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى