العلوم و التكنولوجيا

فيروس كورونا: حين غاب صوتي وقدرتي على التنفس

على مدار شهرين متتاليين كان كل شيء حاضرا إلا صوتي وقدرتي على التنفس وأنا معهما، فقد أصبت بـ “كورونا“. كنت أظن أنني سأواجه مشكلة عضوية وأخوض تجربة “تنفسية” صعبة فحسب، لكن الأمر كان مختلفا تماما على مستوى الألم النفسي الذي فاق الألم العضوي. فماذا جرى؟

حتى هذه اللحظة ورغم الشفاء ما زلت أستعيد مشهد الأريكة الملونة التي لزمتها طوال تلك المدة، وأنا لا أقوى على الحركة أو الطبخ أو التنظيف أو مجرد الانتقال من غرفة إلى أخرى أو إنارة الشموع والبخور كعادتي، حتى ظننت أن الأريكة باتت عالمي ولو تجاوزت حدودها سأسقط أو بالأحرى سأموت. كنت، باختصار، “مسجونة”.

هذا شعور وصفته المعالجة النفسية اللبنانية جورجيت نادر بـ: “التروما أو اضطراب ما بعد الصدمة التي تنجم عن خوف من الخسارة، خسارة الحياة، فأنتِ أحسستِ حالك محبوسة. والحبس ليس الحيطان؛ جسمك هو المحبوس غير قادر أن يتحرك أو يعبر… يعني أنتِ لست أنتِ”.

“التروما” أو اضطراب ما بعد الصدمة في أبسط التعريفات نفسيا هي أن يشعر الإنسان بأن حياته في خطر، وهنا تؤكد جورجيت أن “فيروس كورونا” يهددنا ويهاجم نفسياً غرائزنا. وعدم وجود دواء له حتى الآن يكفي لأن يصيب أياً منا بخوف شديد”.

وتقول منظمة الصحة العالمية إن جزءا من أزمة وباء كورونا هو عدم وضوح التأثير النفسي لمن يصابون به لأنه وحتى الآن يحاول علماء النفس جمع معلومات عن التجارب النفسية لمن أصيبوا أو تعرضوا لعزل منزلي لفترة طويلة ولكن لا نتائج ملموسة الآن فهو أمر سيتكشف مع مرور الوقت.

مكثت في بيتي بمفردي لأسابيع، أنفاسي صعبة لاهثة متلاحقة مصحوبة بصوت هو أشبه بحشرجة الموت، كأن الشهيق والزفير في صراع للهروب من محبسهما.

التنفس ليس شهيقا وزفيرا فقط، بل إن التنفس حالة نفسية تبدأ من الداخل وتتحرر خارجنا، لذا لا يمكن التعامل مع “صعوبة التنفس” كعرض عضوي لفيروس كورونا فقط، بل هي أزمة نفسية أيضا.

التنفس شرط التأمل

مصدر الصورة
AFP

و”حرية التنفس” تعني استمرار الحياة، لكن كورونا كان يأبى أن يمنحني تلك الحرية. وفقد القدرة على التنفس تسبب في إصابتي بعدد لا يحصى من نوبات الفزع والقلق والبكاء، فقد حرمني “كورونا” مما يسمى بـ “التنفس الواعي”.

أنا أمارس “التأمل” وهي رياضة روحية للتخلص من الخوف منذ ما يقرب من 15 عاما، والتأمل في جوهره يعتمد على “التنفس”. فماذا أفعل الآن وأنا خائفة من العزلة ومن تلاشي أنفاسي ومعها قدرتي على التوازن والهدوء أو بالأحرى “الصبر”.

مدربة التأمل والمعالجة بالصوت، رشا حسين، التي اختارت منذ سنوات أن تعيش على البحر في مدينة دهب بجنوب سيناء المصرية تقول: “التنفس مسؤول عن الحالة المزاجية أي عن مدى إصابتنا بنوبة فزع أو قلق”.

وتوضح: “خلال الشهيق نستقبل طاقة جديدة من الحياة الخارجية وفي الزفير نتخلص من الغضب والقلق وهذا، في اللاوعي، يجعلنا نصب كل تركيزنا على التنفس مما يدفعنا إلى الوعي بما نحن عليه الآن دون صراع مع ما مضى أو قلق من المستقبل”، مضيفة: “من لديه صعوبة في التنفس سيصاب باضطراب وسيكون أسير الخوف”.

أنا كنت أشعر أنني محرومة من التنفس ومن الهدوء وأفتقد حرية أطلاق أنفاسي.

أين صوتي؟

في أيام مرضي كنت أشبه ببطلة قصة الأطفال الشهيرة “أليس في بلاد العجائب” التي ظلت تبكي يوما ما حتى تحول بيتها إلى بحر من الدموع. كنت مثلها تماما بكيت بلا توقف لأسابيع، بكاء ممزوجا بصعوبة تنفس وسعال ودرجة حرارة وهذيان وإحساس بالانفصال عن العالم.

لم أكن أعرف سبب بكائي على وجه التحديد، فأنا “خائفة” وحسب، حتى استيقظت ذات يوم من أيام مرضي وأنا بلا صوت تماما وكأن أحدا انتزع الأحبال الصوتية. وتساءلت: هل أصبحت خرساء؟

لم يكن الأمر مجرد الشعور بالوحدة والحاجة للآخرين، لكن المشكلة هي غياب القدرة على الكلام. الصوت والكلام وجهان لعملة واحدة، وكما يقول أرسطو: “نحتاج إلى الكلام من أجل التطهر، من أجل الخلاص “.

تقول جورجيت نادر: ” الصوت أكثر شيء يهدئك لأنك تحكين.. صوتك ضاع وما كنت قادرة على الحكي يعني كنت تكبتين قصصك وحزنك”.

الصوت يعني القدرة على ” التعبير عن النفس”.

مدربة التأمل رشا حسين التي تمزج بين تدريبات التنفس والصوت لمساعدة الناس على التخلص من الخوف، تصف الصوت بأنه : ” أداة للعلاج، مجرد أن تطلق العنان لنفسك أن تقول أي شيء بصوت عال واضح حتى لو مجرد همهمة، مثل”لا لي لو آه أوووه”، أي ارتجالات صوتية كفيلة بأن تخفف الضيق. فالصوت أي صوت يوفر لمشاعرنا مساحة لا حدود لها من الحرية “.

أنا لم أكن أخاف الموت لأنه، في نظري، انتقال من حياة إلى حياة، بل كنت أخشى ألا أتكلم أبدا وأفقد قدرتي على “التعبير عن نفسي” أو بالأحرى قدرتي على ممارسة “إنسانيتي”.

استيقظت ذات يوم من أيام إصابتي بـ “الوباء”؛ وأنا أريد تناول “برتقالة”، لكنني ظللت ساعة كاملة أحاول تقشيرها ولم أستطع، جسدي يرتعش، يداي تتحركان بصعوبة شديدة، حرارتي مرتفعة منذ أيام طويلة، أنفاسي تتلاشى، ولم أقوَ على حمل السكين.

الحاجة للحب

بعد مرور شهر على عزلتي ببيتي مع ألم عضوي- نفسي لا ينتهي، قررت أن ألوذ بـ “بابا وماما” ليس لمساعدتي جسديا بل لأنني كنت ببساطة أحتاج إلى “الحب”. وقررت الذهاب لهم.

أنا امرأة عربية مستقلة؛ أنشأت بيتها الخاص وعالمها الفردي منذ سنوات عديدة لا جفاء لأسرتها الأولى بل لأنها أرادت أن تحرر نفسها مما يسميه علماء النفس “النكوص” أو “الاعتمادية” بينما يسميه الناس في بلداننا العربية “حب الوالدين” أو “روابط الأسرة المقدسة”، لكنني رأيته “حبا مرضيا” وخصوصا أنني الإبنة الصغرى. لكنني قررت عدم الاعتماد المرضي على أحد مع الاحتفاظ بالحب.

أما جورجيت المعالجة النفسية فتقول “عند الإصابة بكورونا لا وقت للحديث عن الاستقلالية والحرية، فأنت وكل من يصاب بكورونا يحتاج إلى صحبة. فلا وقت للسؤال: أنا مستقلة أم اعتمادية؟ انت تحتاجين إلى الدعم بكل أشكاله؛ تحتاجين إلى الحب”.

Image caption

ممارسة الكتابة والرسم والتلوين جزء من العلاج

وفقاً لمنظمة الصحة العالمية فإن الوباء العالمي “كوفيد-19” يؤثر على الصحة النفسية للبشر بدرجات متفاوتة ولأسباب مختلفة وأن من يعانون بالأساس من مرض “الاكتئاب” أو غيره من الأمراض النفسية هم عرضة بشكل أكبر للتأثر بالفيروس التنفسي.

من منظور “الصحة النفسية” هناك ما يسمى ب “تقبل” ما لا نستطيع تغييره والتركيز كبديل في دائرة الاستطاعة. ففي حالتي، فقدت القدرة على الكلام بالإضافة إلى العزلة وصعوبة التنفس، ولذا فلم يكن أمامي أو لم يكن في دائرة استطاعتي سوى “الكتابة والتلوين والرسم” كبديل عن مشاعر “الخوف والغضب والوحدة”. والخوف يلقي علينا ثقل الماضي والندم على ما فات والقلق على ما هو آت لهذا فإن ممارسة الكتابة والرسم والتلوين تحررنا من سلاسل الماضي والمستقبل.

الكتابة والتلوين والرسم هي أبسط الأسلحة حينها لكنها كانت أقواها، دفعتني إلى أن أحكي حتى ولو لم يكن بالكلام، وأن أستمر في الشعور بإنسانيتي، أن أنعم بالحرية حتى ولو في حيز ضيق.

الكاتب :
المصدر:www.bbc.co.uk

الرابط الاصلي للخبر
ادارة الموقع لا تتبنى وجهة نظر الكاتب او الخبر المنشور بل يقع على عاتق الناشر الاصلي

انضم الى احدى مجموعاتنا انضم الى احدى مجموعاتنا انضم الى احدى مجموعاتنا
تابعنا على تويتر
تابعنا على تويتر

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى