صحافة

كيف يواجه الملك الأردني ورئيس الوزراء الفلسطيني أزمة كورونا؟

إن تلوي حكومة إسرائيل هذه الأيام أمام السكان المتدينين في كل ما يتعلق بالتجمهر والصلاة الجماعية ليس من نصيبنا نحن فقط، فقد مرت ثلاثة أسابيع منذ بدأت حكومة إسرائيل تتخذ الوسائل الأولى بالنسبة لسلوك الجمهور، إلى أن أرسل أفراد الشرطة لتشميع بوابات الكنس في “بني براك” كي لا تستخدم أتوناً لنقل العدوى بكورونا. الحكومة الأردنية هي الأخرى تتعاطى مع الفيروس بجدية كبيرة، ومنذ أسبوعين يفرض إغلاق تام في معظم ساعات اليوم. وإذا كنا نعتقد أننا دولة قبائل، فانظروا شرقاً.. سكان الأردن يضمون عشرات القبائل المنتشرة من الشمال حتى الجنوب، وسكاناً فلسطينيين أقوياء، وملايين اللاجئين من العراق ومن سوريا. أين شخصت مشاكل الانضباط الأولى؟ قبائل البدو في بلدات المحيط واصلت عقد الأعراس وخيام العزاء وكأن شيئاً لم يكن.

عبد الله الثاني ليس كلي القدرة، فهو زعيم يفعل كل ما في وسعه في إطار عقدة من مراكز القوى المتصادمة، والنفوذ الأجنبي، وأعداء من الخارج والداخل، وصندوق عام فارغ. كورونا ليس فقط تحدياً لمطوري اللقاحات، بل هو اختبار للزعماء أيضاً. كان مشوقاً أن نرى هذا الأسبوع كيف حاول جلالته ترويض الرافضين في الشعب. فقد قال في تغريدة على “تويتر”: “القانون فوق الجميع. وفي ضوء ما يجري في بلادنا وفي العالم لا مجال للامتيازات للاستثنائيين أو للخاوة والعطاءات”.

الأسبوع الماضي، كتبتُ أن أزمة كورونا هي لحظة نادرة وجد فيها الزعماء العرب ممن اعتادوا إدارة الجماهير بالإملاءات، وجدوا أنفسهم فجأة يستجدون الشعب. والمثال الأفضل هو طبيعة الإغلاق الذي يفرضونه هذه الأيام. ثمة فرض إغلاق عام في ساعات النهار أو الليل في معظم الدول العربية. كل زعيم ورئيس دولة يعرف أن ليس بوسعه فرض إغلاق تام بسبب تمرد الجمهور، ومن الأفضل له أن يختار صيغة رقيقة.     

لو لم تكن هذه فترة طوارئ، لكانت أقوال الملك مادة لكُتّاب أدب السخرية. عبد الله الثاني، الذي في يديه صلاحيات الفيتو على القوانين التي يقترحها البرلمان، يقول فجأة إن القانون فوق الجميع، وإنه لن تكون هناك امتيازات، كما يقول الشعب الأردني. هذا الشعب، المعتاد على حل المشاكل الشخصية بمساعدة الأقرباء، أو الأصدقاء الذين هم في المكان الصحيح.

الهرب الكبير

لو لم يهوِ لكان بوسع ترتيب مبيت العمال الذي تم بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل أن يشكل نموذجاً لعلاقات سلمية في وضع الأزمة. ولكن بعد يومين من انطلاقه على الدرب، أحد ما هناك في رام الله فزع، ولعل هذا كان أفضل من أن يتمكن من النجاح.

وحسب هذا الترتيب، سمحت إسرائيل بشكل استثنائي وغير عادي، لعشرات آلاف العمال من الضفة للمبيت في أراضيها كي لا يعودوا إذا ما أصيبوا بالعدوى إلى الديار فينشروا المرض في مطارحهم. السلطة ترى في إسرائيل مجتمعاً منكوباً بكورونا، ويخافون أن يجتاح الفيروس أراضيهم منها. ومن أراد مثالاً على ذلك تلقاه هذا الأسبوع. 15 فلسطينياً كانوا يعملون في مصنع إسرائيل للدجاج في المنطقة الصناعية “عطروت”، من إجمالي 50 عاملاً أصيبوا بكورونا في أثناء عملهم.

يعمل في إسرائيل في الأيام العادية أكثر من 150 ألف فلسطيني من الضفة وشرقي القدس.. عمال بناء، وبلاط، وحدائق، وأنواع أخرى من الحرف. ويدخل عملهم عشرات ملايين الشواكل في الشهر نقداً إلى الاقتصاد الفلسطيني، وينتج معدلات ضريبة عالية لصندوق السلطة. كانت لإسرائيل مصلحة حيوية في مواصلة تشغيلهم. هؤلاء العمال هم الأيدي العاملة لفرع البناء، وبدونهم يتجمد.

تعهد المقاولون بالاهتمام بترتيبات المبيت، وتعهدت السلطة بالسماح لهم بالخروج لفترة طويلة، وانطلق هذا الترتيب على الدرب. وكانت الأطراف الثلاثة راضية. مر يومان، وتملكت إعادة تفكير برئيس وزراء السلطة، د. محمد اشتيه، فسأل رجاله ماذا سيحصل لعامل يصاب بالمرض وهو في إسرائيل، وفوجئ إذ قيل له إنه سيعاد إلى الديار. وفي ذات المساء شددت إسرائيل الإغلاق بشكل مطلق.

شاهد اشتيه الأنباء الصادرة من تل أبيب وافترض أن حكومة إسرائيل تستعد لتفشّ واسع للوباء. قدر أن 70 ألفاً من عماله هم في خطر العدوى. وهذه مصيبة من ناحيته، فقرر إعادتهم إلى الديار. فتوجه رجال الأمن إلى السلطات المحلية وأمروا كل سلطة بدعوة سكانها العاملين في إسرائيل. كان هذا الثلاثاء الماضي. والأربعاء، فرغت إسرائيل من العمال. قليل منهم قرر البقاء.

قلق اشتيّة مفهوم، ولكن مثلما هو الحال لدى الجميع، هذا أيضاً مجبول بمقاييس الفكر السياسي الصحيح، وهو ليس من محبي إسرائيل، ويعتقد أنها تقبض بلا مبرر على عمق السلطة، وتتوحش تجاهها أكثر مما ينبغي، وتحتجز أموالها بلا مبرر. ولم يذرف دمعة حين فهم أنه مس بالاقتصاد الإسرائيلي بإعادته العمال إلى الديار. هو بحاجة إلى المداخيل من العمال، ولكن تفشي الوباء هو مصيبة صحية وسياسية، تفضل عليها أزمة اقتصادية حادة.

أناس في مكانته يفكرون دوماً باليوم التالي، ولقد دخل اشتيّة (62) منصبه قبل سنة فقط، بعد سنوات طويلة في الخدمة العامة. هو مدير في طبيعته، ورجل تنفيذي، واقتصادي اكتسب تعليمه في بريطانيا، تولى مناصب رفيعة، وعمل في إطار الأكاديميا، ونشر بحوثاً في موضوع اختصاصه. في شبابه، شارك في محادثات السلام مع إسرائيل، وعلى مدى السنين احتك ببلاط كبار المسؤولين، إلى أن أصبح كبيراً بنفسه. تنفيذي ذو قدرات سياسية هو بالضبط ما تحتاجه السلطة الآن في ذروة أزمة كورونا وفي أواخر أيام أبو مازن.

بالصدفة أم لا، هبط هذا الفيروس على اشتيه في أزمنة الفراغ. زعيمه، أبو مازن، أرسل إلى الرعاية الصحية في بيته، بسبب سلسلة فحوصات وضعف جسدي يعاني منه. وقبل ذلك أظهرت المؤشرات بأن اشتية يضرب عينيه لكرسي الرئيس في اليوم التالي. هكذا بقي وحده مع المهمة ثقيلة الوزن لإنقاذ الشعب من مصيبة كورونا. وكانت إعادة العمال إلى الديار قراراً صعباً، ولكنه زعامي أيضاً. إذا ما اجتاز الأزمة بسلام، سيعزز اشتية فرصه للتنافس على خلافة الحكم.

اليد التي تعض

الجمعة الماضي، بعد بضع دقائق من الساعة التاسعة، أطلق صاروخ من أراضي غزة إلى بلدات الغلاف، وسقط في أرض مفتوحة ولم يلحق ضرراً ولكنه جعل كل الجبهة تقفز. وحدد الجيش الإسرائيلي الجهاد الإسلامي كمسؤول عن النار. صباح الجمعة إياه، تحدث أطباء من غزة مطولاً مع زملاء لهم في مستشفى شيبا في تل هشومير، في خط مباشر بعلم حماس؛ بهدف تزويد خبراء القطاع بالمعلومات الطبية المتعلقة بمعالجة مرضى كورونا. ليس مؤكداً أن الذراع العسكري للجهاد كان يعرف بذلك. ولكن ماذا يغير هذا في الأمر من شيء؟ فعند مجيئهم لشد الشعر، كان لهم من يتعلمون منه.

نشر منظمو المظاهرات في غزة بيان إلغاء لأحداث يوم الأرض كان مخططاً لها أن تجري الإثنين من هذا الأسبوع. في الأصل رغبوا في حدث مثير للانطباع، بمناسبة سنتين على نشوب الاحتجاج الشهير على طول الجدار، كورونا عطل كل شيء. غير أنهم طلبوا من السكان أن يحيوا الحدث بسلسلة أفعال رمزية بوقف حركة السيارات لخمس دقائق بعد صلاة العشاء. رفع أعلام فلسطين ونعم نعم.. إحراق أعلام إسرائيل. إسرائيل ذاتها، التي منح أطباؤها معلوماتهم عن كورونا لهم قبل يوم من ذلك.

لو كنا نسأل حماس ما معنى الأمر لأجابوا بأن المساعدة واجب على إسرائيل، لأن جيشها يفرض حصاراً على القطاع، اقتصادياً، وتجارياً، ونقدياً، ويمنعه من التطور. وإذا كانت مشاكل القطار نشأت تحت الحصار، فإن على إسرائيل تلقى المسؤولية عن حلها.

لقد درج الإسرائيليون في مثل هذه الحالات على اتهام الآخر بنكران الجميل، فهم يعضون اليد التي تطعمهم، كما سيقولون. وبالفعل يعدّ هذا سلوكاً فظاً، ولكن لا يمكن الحكم على غزة بألوان الأسود والأبيض. مليونان يسكنون في القطاع وأغلبيتهم الساحقة يحلمون بالهدوء والسكينة، بالضبط مثل سكان الغلاف. واليد التي تطعمهم هي ذات اليد التي تقبض على خناقهم.

بقلمجاكي خوجي

 معاريف 3/4/2020

الرابط الاصلي للخبر
ادارة الموقع لا تتبنى وجهة نظر الكاتب او الخبر المنشور بل يقع على عاتق الناشر الاصلي

انضم الى احدى مجموعاتنا انضم الى احدى مجموعاتنا انضم الى احدى مجموعاتنا
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق