العرب و العالم

مجد خليفة.. من مركز اللجوء إلى غرفة الأخبار بالتلفزيون البلجيكي

مجد خليفة صحفي فلسطيني ـ بلجيكي أو بلجيكي ـ فلسطيني، أو بلجيكي من أصل فلسطيني من مواليد 1983، يعتبر نفسه من الجيل الثالث من اللاجئين الفلسطينيين بعدما جاء إلى أوروبا منذ سنوات عديدة لاجئا من أحد مخيمات اللاجئين الفلسطينين من سوريا.

عائلته من طرف الأب بالأصل لاجئة مما يعرف “بالقرى الجزائرية” بالقرب من مدينة حيفا أما عائلة أمه فقد هاجرت من نفس المدينة.

بلجيكا وتشكيل الوعي بالهوية

شقّ مجد طريقه، نحو مسيرة النجاح، بعد أن كان لاجئا فلسطينيا.. احتضنته بلجيكا، ومنحته هويتها وشكلت جزءا من ملامحه الثقافية. تزوج مجد من لاجئة فلسطينية من مواليد السعودية، وله معها طفلان.

سلك مجد نفس مسار اللاجئين الذين كانوا يبحثون عن مستقبل أفضل. فيقول وهو يحدثنا: ” هاجر أجدادي من فلسطين عام 1948، و استقر بهم المقام في سوريا، حيث نشأ والدي وترعرع كلاجىء فلسطيني ودرس في مدراس الأمم المتحدة التي كانت ترعاها الأونروا”.

أما عن والدته التي فارقت الحياة بسبب السرطان قبل سنوات فيقول “وُلدت والدتي – طيب الله ثراها – في سوريا وهي نفسها كانت لاجئة فلسطينية أيضا”.

في سبعيينات القرن الماضي، هاجر والدا مجد خليفة إلى الإمارات العربية المتحدة، و في دبي، ولد مجد خليفة، لكن بعد انفصال والديه عاد إلى سوريا مع أشقاءه حيث ترعرع ودرس الابتدائية والإعدادية وكان يحمل سمة لاجىء فلسطيني.

ها قد أتى بلجيكي جديد

في كتابه الذي أصدره باللغة الهولندية “ولدت من جديد” يتحدث كاتب سيرة خليفة الذاتية عن تفاصيل خروجه من سوريا إلى أوروبا بعد أن قضي فترة وجيزة في الكويت إبان بدايات الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. في خضم تلك الظروف، قرر مجد خليفة ذو الثمانية عشر عاما السفر إلى أوروبا برفقه شقيقه الأصغر لاعتقاده بأن أوروبا هي الإلدورادو الذي يمنحه الحرية والاستقلالية والحياة الكريمة وكذا الاستقرار وراحة باله وسعة نشاطه.

كما تيقن أيضا حينها أن الحصول على شهادة دراسية هي هدفه الأسمى”الشهادة والدراسة شيئان مقدّسان عند العائلة الفلسطينية، فهما جواز السفر الحقيق ووسيلة لفرض الوجود”، بحسب وصفه.

لماذا بلجيكا؟

حين كان مجد خليفة في الكويت ذهب برفقة شقيقه إلى مكتب سفريات، عازمين الهجرة إلى أي بلد في أوروبا وحصلا على فيزة شينغن وجمعا مبلغا من المال وطلبا حجزا من مكتب السفريات والحجوزات لأي بلد في أوروبا.

يقول مجد خليفة وهو يحاورنا “طلبت حجز تذكرة لأوروبا لشخصين، لكن المبلغ لم يكن كافيا للرحلة لباريس أو روما، أخبرنا مسؤول المكتب أن المبلغ يكفي لرحلة من دون عودة إلى بروكسل فقط”.

وافق مجد خليفة رغم أن رغبته كانت كبيرة أن يسافر إلى المملكة المتحدة أو إحدى الدول الإسكندنافية، فهو كان يتوق للتوجه إلى أي بلد، يمنحه حق العيش و الدراسة و تحقيق المستقبل المنشود.. الحريّة.

معسكر بروخم للاجئين

في 2004، عندما وطأت قدم مجد خليفة بروكسل، تناهى إليه أن الاستقرار في بلجيكا، يتطلب إقامة دائمة. طلب اللجوء، وتمّ تحويله إلى مخيم لاجئين شمال بلجيكا، حيث بقي هنالك ما يقرب ثلاث سنوات.

“كنت في معسكر بروخم، كان عبارة عن ثكنة عسكرية حولت فيما بعد إلى مركز لجوء، كانت المعيشة في المخيم صعبة للغاية، لا توجد خصوصية، أشارك الغرفة مع غرباء، وقت تناول الوجبات محدد، الزيارات ممنوعة”.

يحدثنا مجد خليفة عن الحياة داخل معسكر بروخم للاجئين، حيث “تنتشر عادات استخدام المخدرات وتعاطيها و تناول المشروبات الروحية” لكن إلى جانب هذا الجانب المظلم، يقول مجد “إن من بين اللاجئين أناسا على قدر من الثقافة كبيرة، ومتعلمين، كما يضم عائلات”.

الحياة العصيبة في معسكر اللاجئين البلجيكي، دفعت مجد خليفة إلى البحث عن حياة أخرى وعن متنفس ثان، فوجد ضالته عبر تكثيف الاتصال بالمجتمع البلجيكي. تعرّف مجد إلى مجموعة كشافية محليّة تسمى Chiro، كان يتحدث في البداية مع أعضائها باللغة الإنجليزية.

الهوية الفلامنكية

كانت الكشافة بالنسبة لهذا اللاجىء الفلسطيني القادم من سوريا، بوابة للتعرف إلى الهوية الفلامنكية، تمكن من خلالها بتطوير أسلوب محادثته باللغة الفلامنكية التعبير عن نفسه واكتشاف ذاته اأضا كما يقول.

عرف خليفة أن الاندماج داخل المجتمع البلجيكي، الناطق باللغة الفلامنكية يمر عبر إتقان اللغة الفلامنكية وواصل طريقه بعدها إلى الدراسة المنتظمة فحاز على شهادة الثانوية العامة البلجيكية وهو في سن التاسعة عشرة.

كان قرار مجد خليفة مواصلة دراسته أمرا أثار حيرة من يشاركونه الإقامة داخل معسكر اللاجئين حيث كانوا جميعهم مهتمين بشكل أكثر بالحصول على الأوراق الثبوتية وشهادة الإقامة التي تخولهم العمل في البلد. أما شؤون الدراسة فكانوا يعتبرونها شيئا من الكماليات.

بعد قضائه ثلاث سنوات بالمعسكر حصل مجد خليفة على إقامة، والأمر الذي عجّل بحصوله على الإقامة هو أنه “كان يحمل هوية، مكتوب داخلها “بلا وطن”. بعدها واصل دراسته في جامعة لوفن حيث درس الدراسات العربية والإسلامية. وحتى يتمكن من دفع تكاليف دراسته عمل مجد خليفة لدى شركة إيكيا لبيع الأثاث، وهو يقول عن نفسه اليوم إنه خبير أيضا في الأثاث بشتى أنواعها كما الأسرّة.

التلفزيون البلجيكي

وفي تلك الأثناء، قرر مجد العمل بالتلفزيون البلجيكي لتغطية نفقات دراساته الجامعية. حيث انضم إلى التلفزيون البلجيكي الناطق باللغة الفلامنكية، في آر تي. ويعتقد مجد أن تساؤلات عديدة كانت تحوم حول كيفية تمكنه من العمل في هيئة التلفزيون الفلامنكية. وهو الآن يصف نفسه أنه متمكن من خبايا اللغة الفلامنكية، و يشارك في البرامج الحوارية ذات الصلة بقضايا الشرق الأوسط.

تمكن خلال تلك الفترة من إخراج أفلام وثائقية (الحب العربي) عام 2014 وهي عبارة عن سلسلة وثائقية من خمسة أجزاء، تدور محتوياتها حول زيارات ميدانية لدول عربية (قطر + لبنان + فلسطين + تونس + مصر).

وتقوم فكرة البرنامج على تعريف المشاهد البلجيكي بالعادات العربية وعمق الثقافات المرتبطة بها من خلال التركيز على الجوانب التي تشدّ المشاهد عبر الموسيقى والأدب والتي قد تدفعه لتغيرر الصور النمطية عن العرب والمسلمين كما يقول مجد.

(رحلة إلى المغرب)

أخرج مجد خليفة فيلما وثائقيا أيضا باسم (رحلة إلى المغرب) بمناسبة ذكرى مرور 50 عاما للهجرة المغربية إلى بلجيكا. وهو الحدث الذي تم الاحتفاء به طوال سنة 2014 من خلال التركيز على جوانب الغنى والتنوع الذي تعرفه بلجيكا.

ذلك أن أول جيل وصل إلى بلجيكا في ستينيات القرن الماضي بعد توقيع المغرب وبلجيكا على الاتفاقية المتعلقة بتشغيل العمال المغاربة، حيث تمّ استثمارها بالكامل في العمل الرامي لدعم النمو الاقتصادي في البلاد.

ومن أهم الأعمال التي تحكي سيرة مجد خليفة الذاتية، هو فيلم (بلا وطن) أنتج في عام 2012 حيث يتحدث مجد عن رحلته الأولى لفلسطين عام 2011 حيث زار مدينة (هوشة) مسقط رأس والده و(حيفا) مسقط رأس والدته بإلإضافة إلى مدن أخرى.

التقصي عن مفهوم الهوية

اعتبر الفيلم، بمثابة قصة استقصائية تبحث عن حالة التقصي عن مفهوم الهوية من خلال طرح غير كلاسيكي للقضية الفلسطينية، عبر التحدث عن تجليات التعايش مع القضية الإنسانية الخالصة و ليس كمناضل فلسطيني. يقول مجد “قضيت أول ليلة، لدى عائلة يهودية استضافتني في تل أبيب حيث كانت إحدى أفراد العائلة ناشطة في منظمات المجتمع المدني التي تعنى بالسلام والتعايش”.

كان الفيلم الوثائقي يجسّد حالة العودة التي تراود اللاجىء الفلسطيني، العودة إلى أرض الأجداد، أجداد مجد الذين غادروا في 1948. ويقول مجد خليفة “أردت التعرف على فلسطين ورؤيتها على الطبيعة بعيدا على الأشعار وكتب التاريخ. من أين اتوا أجدادي ومعنى الصلاة في المسجد الأقصى” ومضى قائلا”زرت كنيسة المهد وحائط المبكى، تناقشت مع يهود و مسيحيين و دروز”.

يعتقد مجد خليفة اليوم ان الصراع الفلسطين الإسرائيلي بات صراعا سياسيا و ليس شعبيا، فالتطورات والتغيرات الإقليمية سواء تعلق الأمر بالسلطة الفلسطينية أو حكم حماس في غزة فرضت نفسها على الجميع وحتى على الساسة الإسرائيليين.

موضحا أن المشهد عرف تغييرا في اللعبة السياسية. و يرى أن الشعب الفلسطيني ما زال تحت احتلال عسكري بعيدا جدا عن كلمة (مساواة) في المواطنة أو الحقوق. فمدار الأمر، بالنسبة له، “أن الإنسان في تلك الأرض له حقوق متساوية”.

معرفة الآخر

يعتقد مجد أن من بين تجليات الصراع ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين تبرز قضية مهمة جدا وهي الجهل بالآخر. “قليل من اليهود يعرفون معنى أن تتعرع في مخيم لجوء برام الله”.

مضيفا ” قليل من اليهود فقط يعرفون معنى كلمة نكبة”. موضحا أيضا كثير من العرب لا يعرفون معنى تعلق اليهود وحبهم لدولتهم إسرائيل.. وأسباب التمسّك بالأرض عند اليهود.. وهل الأمر نابع من كره للعرب أم له دوافع أخرى؟”

كما يعتقد مجد خليفة أن فئة قليلة من الغرب” تعرف تاريخ فلسطين.. وكثيرون لا يعرفون تفاصيل الصراع ومفاهيم الهوية الفلسطينية واليهودية بشكل عام”.

يقوم مجد خليفة اليوم بالتنسيق مع منظمات المجتمع المدني عبر إلقاء محاضرات وندوات تسلط الضوء على أوضاع اللاجئين، و مواضيع الهجرة، ويرى أن الدول البلجيكية تحتاج فعلا إلى خبرات تعمل على تسهيل فهم قضية الهجرة غير الشرعية وأوضاع اللاجئين بشكل عام.

لاجئون يقتفون أثر مجد خليفة

قام مجد في الايام القليلة الماضية بجولة في إقليم فلاندرز التقى فيها بعدة لاجئين من جنسيات مختلفة والذين حصدوا هذا العام شهادة الثانوية العامة البلجيكية بامتياز. كان من بينهم الطالبة اللاجئة الفلسطينية دعاء أسعد والتي حصدت الشهادة حتى بدون أوراق إقامة رسمية. فدعاء وعائلتها مازالوا منذ خمس سنوات ينتظرون أوراق الإقامة البلجيكية.

في حياة مجد خليفة، كثير من الإضاءات التي تسهم لو أننا تتبعنا أثرها في فهمنا العميق لمسألة اللجوء، وما يعاني منه اللاجئون داخل المراكز المنتشرة عبرأوروبا.

يعمل مجد خليفة اليوم أيضا من خلال برامجه التلفزيونية ونداوته العامة على إعادة تشكيل الوعي الأوروبي بشأن فهم أدق عن أوضاع اللاجئين ومعاناتهم من جهة، وإزالة الصور النمطية عن العرب والمسلمين العالقة بالعرب والمسلمين من جهة أخرى عبر المنصات الإعلامية.

كما أن مجد خليفة، يبقى نموذجا جيدا للاجىء العصامي الذي يسعى بكل الوسائل المشروعة لتحقيق ذاته من خلال إبراز الصفحات المطوية و المشرقة عن ذاته و مجتمعه وعن جاليته العرب في أوروبا.

viber

الكاتب :
المصدر:arabic.euronews.com

الرابط الاصلي للخبر
ادارة الموقع لا تتبنى وجهة نظر الكاتب او الخبر المنشور بل يقع على عاتق الناشر الاصلي

انضم الى احدى مجموعاتنا انضم الى احدى مجموعاتنا انضم الى احدى مجموعاتنا
تابعنا على تويتر
تابعنا على تويتر

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى